الأربعاء. فبراير 28th, 2024

أهالي الضحايا بدارفور يتساءلون: هل تشمل تحقيقات الجنائية الدولية محمد دحلان مع الدعم السريع؟

سودافاكس By سودافاكس يناير 18, 2024


في مقابلة أجرتها معه الجزيرة نت، يقول شاهد عيان قدم شهادته للمحكمة الجنائية الدولية حول الأحداث التي شهدها إقليم دارفور بالسودان مؤخرا، “رأيتهم يغتصبون الفتيات القصر ويرمون بالأطفال الأحياء في وادي كجا الممتلئ بالماء” بينما يقول قيادي بسلطنة (قبيلة) المساليت إن عدد اللاجئين والنازحين تجاوز المليون.

وبحسب وثائق اطلعت عليها الجزيرة نت، فإن المحكمة الجنائية الدولية تقول إنها أنذرت الأطراف المتحاربة، وإنها شرعت في جمع الأدلة عن الانتهاكات الخطيرة في دارفور.

والقيادات الأهلية تقول إن عدد قتلى مجازر غرب دارفور تجاوز 17 ألفا، وإن عدد الأسرى بلغ نحو ألفي شخص. كما تتحدث عن انتهاكات عديدة، فجثة شقيق سلطان المساليت -على سبيل المثال- ظلت 13 يوما في العراء ومنع الاقتراب منها، وهنالك جثث لم تدفن حتى الآن وفق شهود عيان.

وفي التقرير التالي تفتح الجزيرة نت الملف الدامي بالسودان، وتحاول من خلال 14 مصدرا يمثلون المحكمة الجنائية والجيش السوداني وقوات الدعم السريع وجهات أهلية عديدة أن تستكشف العديد من المساحات المعتمة فيما يخص الانتهاكات التي كان مسرحها العديد من أقاليم السودان وخاصة دارفور، والتي تشير أصابع الاتهام فيها إلى قوات الدعم السريع.

المحكمة الجنائية تبحث عن متهمين جدد
خاطب مدعي المحكمة الجنائية الدولية كريم خان -ظهر أمس الأول- بلندن لقاءً نظمه تجمع روابط دارفور بالمملكة المتحدة حول سبل إنفاذ العدالة الدولية في إقليم دارفور، عقب الحرب التي اشتعلت في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع منتصف أبريل/نيسان الماضي.

واللقاء أعاد فتح سيرة الملف الدامي وفتح الباب مرة أخرى لتدخل المحكمة الجنائية في يوميات الأزمة في السودان، وطبقا لبيان من تجمع روابط أبناء دارفور بالمملكة المتحدة اطلعت عليه الجزيرة نت، فإن كريم خان أبلغهم أنه شرع رسميا في إجراء تحقيقات في ما حدث في دارفور عقب اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وإن تحقيقاته ستكون قاصرة على الجرائم التي وقعت في إقليم دارفور وستطال كل من ارتكب جريمة حرب أو جرائم ضد الإنسانية بمقتضي الإحالة الصادرة من مجلس الأمن الدولي في مارس/آذار 2005.

وطلب المدعي العام للجنائية الدولية من الحضور أو من يمتلك أي معلومات عن هذه الانتهاكات إبلاغ المحكمة والتي لها برامج لحماية الشهود.

شاهد عيان
الجزيرة نت تحدثت مع عدد من الشهود الذين قدموا شهاداتهم لمحققي الجنائية الدولية بمنطقة أدري التشادية، الذين قال أحدهم وهو يكفكف دمعه يوم 16 يونيو/حزيران الماضي وعقب مقتل والي غرب دارفور “ضاقت بنا الأرض التي ألفتنا وألفناها، وحاولت صباح ذلك اليوم العبور لمنطقة أردمتا شمال شرقي مدينة الجنينة حيث الحامية العسكرية للجيش السوداني والتي كنا نتوقع أن تقوم بحمايتنا”.

ويتابع “قبل أن أصل لنقطة العبور عرفت أن قوات من الدعم السريع كانت تقوم بتفتيش العابرين، فترددت كثيرا. وأخيرا ولجت إلى حديقة مانغو مطلة على منطقة التفتيش”.

ويتوقف الراوي عن السرد وكأن ما وقع ذلك اليوم مازال يحاصره، وينهمر دمعه غزيرا وتتغير نبرة صوته، ويتابع حديثه “رأيت حدثا لم تره البشرية في تاريخها الطويل، بدأ جند الدعم السريع فصل النساء والفتيات ومعظمهن من القاصرات عن ذويهن، وسط إطلاق نار كثيف بغرض خلق أجواء من الفوضى والرعب، ثم بدؤوا يغتصبون الفتيات جماعيا في الفضاء العام وأمام أعين ما تبقى من الأسر. كان ثمن أي احتجاج رصاصة في الرأس أو القلب”.

ويضيف الشاهد أنه رأى اثنين من جنود الدعم السريع يقذفان بـ4 أطفال في الماء أحياء، وحاولت والدتهم الاستجابة لاستغاثاتهم طلبا للنجدة الصادرة من عمق الماء فغرقت مع أبنائها الأربعة”.

وبحسب الشاهد فإن عددا من الجثث تم رميها في وادي كجا والذي يمثل نهرا موسميا يمتلئ موسم الأمطار، وقال إن المئات غرقوا هناك وهم يحاولون الهرب من الموت، ويعرب عن خوفه من أن يختطفه الموت قبل أن يرى العدالة تأخذ مجراها.

المساليت يتحدثون
يؤكد أحد قادة قبيلة المساليت، يدعى الفرشة صالح أرباب، التي تسكن مدينة الجنينة -في حديث للجزيرة نت- ما ورد في رواية الشاهد التي ذكرناها آنفا، ويقول إنهم رصدوا نحو 700 جثة تم رميها في نهر وادي كجا خلال النصف الثاني من يونيو/حزيران 2023.

ويقدم الرجل، الذي أدلى بشهادته لمحققي الجنائية الدولية بمنطقة أدري، أرقاما صادمة بهذا الشأن حيث يقول إن ضحايا ولاية غرب دارفور وحدها خلال الحرب الأخيرة بلغ نحو 17 ألفا و175 قتيلا إلى جانب 1017 مفقودا لم يعرف مصيرهم حتى الآن، أما الأسرى ومعظمهم من قبيلة المساليت فيبلغ عددهم نحو 2700 أسير تم إطلاق سراح نحو 700 منهم حتى الآن، بينما بلغ عدد الفارين من جحيم الحرب من ولاية غرب دارفور وحدها أكثر من مليون مواطن خرجوا تماما من دائرة الإنتاج وأصبحوا في عداد المنتظرين لعون المنظمات الإنسانية.

ويضيف أرباب -وهو عضو في لجنة حصر الانتهاكات الإنسانية بولاية غرب دارفور الأهلية التي يترأسها زعيم قبيلة المساليت السلطان سعد بحر الدين- أنهم حتى الآن قاموا بتحديد 9 مقابر جماعية وأن بعض الضحايا دفنوا أحياء وأن بين أيديهم أدلة على ذلك.

ويقول إن هنالك جثثا مازالت حتى الآن في العراء لم تدفن بعد، وأشار إلى أن جثة طارق بحر الدين، شقيق السلطان والنائب البرلماني، ظلت في العراء لمدة 13 يوما ومنعت قوات الدعم السريع أفراد أسرته من مجرد الاقتراب منها.

وأكد أرباب أن بحوزة اللجنة التي يعمل بها وثائق وأدلة وبراهين على كل تلك الانتهاكات، وسيقدمونها لمحققي المحكمة الجنائية الدولية.

ماذا بوسع المحكمة الجنائية أن تفعل؟
وفقًا لوثائق اطلعت عليها الجزيرة نت فإن الجنائية الدولية كانت حاضرة في هذا الملف معتمدة على تفويض مجلس الأمن الدولي الصادر في مارس/آذار 2005 والذي أحال لها التحقيق في جرائم دارفور، وأن المدعي العام -وفقا لتلك المستندات- كان قد أبلغ مجلس الأمن في يوليو/تموز الماضي أنهم شرعوا في إجراء تحقيقات عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وقعت بدارفور بعيد اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، وأن المحكمة أبلغت الطرفين المتحاربين بأمر هذه التحقيقات.

ووفقا لعدد من الشهود الذين قدموا إفاداتهم لمحققين من قبل الجنائية الدولية، فإن التحقيقات بدأت منذ الخامس من يوليو/تموز 2023، وأغلبها كان في مدينة أدري والتي استقبلت آلاف الفارين من الحرب من ولاية غرب دارفور، وأن التحقيقات شملت بجانب قضايا أخرى مقتل والي ولاية غرب دارفور خميس أبكر بجانب العنف الجنسي وحالات الاغتصاب والقتل الجماعي على أساس الهوية العرقية.

ماذا حدث للوالي ومن قتله؟
كانت قضية مقتل والي ولاية غرب دارفور، خميس أبكر، في 14 يونيو/حزيران من العام الماضي واحدة من الجرائم التي لفتت الأنظار لمآسي حرب السودان الجديدة، ليس بسبب دمويتها فحسب، بل لأنها كانت بداية لانفراط عقد السلم الاجتماعي في هذه الولاية.

كان الوالي يؤدي عمله من داخل مدينة الجنينة، عاصمة ولايته، وقام بانتقاد قوات الدعم السريع قبل ساعات قليلة من مقتله، في تصريحات لإحدى القنوات الإخبارية.

وبحسب مصدر بالجيش السوداني -طلب عدم ذكر هويته- فقد رفض الوالي عرضا من قيادة الجيش بالمدينة لنقله إلى مقر الحامية العسكرية، وواصل أداء عمله في مقر حكومته حتى تاريخ اغتياله والذي تم بدوافع عنصرية من قبل ما وصفها بمليشيا الدعم السريع، وفق المصدر.

وقد قدم أرباب معلومات إضافية حيث أكد أن الوالي اعتقل من قبل الدعم السريع، وإن قائد هذه القوات في غرب دارفور، اللواء عبد الرحمن جمعة بارك الله هو من اقتاده شخصيا إلى داخل مقرهم.

ويقول أيضا إن الوالي تمت تصفيته داخل مقر الدعم السريع بإطلاق 13 رصاصة على جسده، وكانت الخارجية الأميركية قد أشارت في سبتمبر/أيلول من العام الماضي إلى أن القوة التي احتجزت أبكر يقودها بارك الله، وهذا اتهام نفاه في وقتها الجنرال محملا المسؤولية لغاضبين لاحقوا سيارة الوالي التي كانت متجهة نحو الأراضي التشادية.

وفي هذا الصدد، يقول الناطق باسم قوات الدعم السريع المقدم الفاتح قرشي -في تصريح أدلى به للجزيرة نت- إن قائد الدعم السريع شكل لجنة تحقيق في هذا الأمر وإنه يمتنع عن التعليق على أمر قيد التحقيق.

جهات أخرى تحقق
ووفقا لمصدر دبلوماسي سوداني مطلع فإن لجنة الخبراء الأممية شرعت في إجراء تحقيقات عن جرائم إبادة جماعية محتملة تم ارتكابها في دارفور، ووعدت بالتعليق لاحقا حول هذا، وذلك ردا على اتصالات (الجزيرة نت) كما أن النائب العام السوداني كوّن لجنة محلية لرصد أي جرائم ارتكبت من قبل قوات الدعم السريع خلال الحرب الحالية.

وكانت الخارجية الأميركية أعلنت في سبتمبر/أيلول الماضي عقوبات بحق الفريق عبد الرحيم دقلو نائب قائد الدعم السريع، وهو الشقيق الأكبر لمحمد حمدان حميدتي، واللواء بارك الله. كما أعلنت عقوبات أخرى في ديسمبر/كانون الأول الماضي بحق كل من صلاح قوش والفريق محمد عطا مديري جهاز المخابرات السوداني في عهد حكومة عمر البشير، وشملت ذات العقوبات الفريق طه الحسين والذي عمل مديرا لمكتب الرئيس المعزول ولكنه يعتبر الآن من المقربين لحميدتي. كما شملت العقوبات لاحقا علي أحمد كرتي الأمين العام للحركة الإسلامية في السودان بمظان عرقلته لجهود التسوية في البلاد.

ويشير مسار التحقيقات الدولية والعقوبات الأميركية تشير إلى أن تدويل ملف العدالة في السودان قد بدأ بالفعل، ويشير حاتم الفاضل أحد اللاجئين السودانيين بمعسكرات أدري إلى أن هنالك منظمات حقوقية دولية كثيرة وصلت معسكرات اللاجئين في منطقة أدري واستمعت للضحايا والشهود.

أبرز المتهمين
كشف أحد أعضاء لجنة الانتهاكات الإنسانية بولاية غرب دارفور، وهي لجنة أهلية يرأسها زعيم قبيلة المساليت وأنهم ووفقا لشهود وأدلة أخرى حددوا أبرز المتهمين بانتهاكات ولاية غرب دارفور، وشملت القائمة قادة عسكريين لدى الدعم السريع أبرزهم القائد الثاني للدعم السريع الفريق (دقلو) واللواء بارك الله بجانب 4 قيادات قبلية تعمل تحت لافتة المكتب التنفيذي للقبائل العربية بولاية غرب دارفور أبرزهم مسار عبد الرحمن أصيل وعبد الرحمن محمد جمعة والطاهر علي عبد الله والتيجاني بركة، إضافة لنائب والي غرب دارفور التيجاني كرشوم، وأنهم بحسب المصدر يملكون مقاطع فيديو شهادات شهود ثقة على الأدوار التي قام بها هؤلاء، ولم تتمكن الجزيرة نت من التواصل مع أي من الأسماء التي احتوتها القائمة بسبب صعوبة الاتصالات بولايات دارفور، وكانت وكالة رويترز قد أشارت لمعلومات مماثلة في تقرير ضاف نشر في 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي.

هل يعقد التحقيق ملف التسوية؟
يرى محمد الحسن عوض الله الأمين المساعد لاتحاد المحامين العرب -في حديث للجزيرة نت- أن الجنائية الدولية مختصة من عدة أوجه حيث سبق أن أحال مجلس الأمن ملف دارفور للمحكمة بموجب القرار رقم 1539، فالقرار ما زال ساريا، والجنائية لها اختصاص أصيل بالنظر في جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية وانتهاكات حقوق الإنسان.

ويقول كاميرون هيدسون المسؤول السابق بمكتب المبعوث الأميركي الخاص للسودان -في تدوينة بحسابه على منصة إكس- إن الجنائية الدولية ستوجه في القريب اتهامات لقائد الدعم السريع وسيكون لهذه الخطوة تأثير كبير على الحرب الدائرة في هذا البلد.

بينما طالب رئيس تجمع روابط دارفور عبد الله أبو قردة -في تصريح للجزيرة نت- بأن تشمل تحقيقات المحكمة الجنائية دولًا عربية شاركت في التطهير العرقي الأخير ضد القبائل الأفريقية في دارفور.

وكان مدعي الجنائية الدولية قد امتنع عن الرد على سؤال -في لقاء مع تجمع روابط دارفور عقد أمس في لندن- حول ما إذا كان التحقيق سيشمل أجانب مثل الفلسطيني محمد دحلان والذي يعتقد أنه من المتورطين في تأجيج حرب دارفور.

لكن هنالك من يخشى أن يعيق تدخل العدالة الدولية مسارات التسوية السلمية لحرب السودان، خاصة أن شملت الاتهامات قيادات أرفع من الطرفين المتحاربين بحيث تجعلهم أكثر تمسكا بالسلطة خوفا من الملاحقة الدولية، كما حدث مع البشير وعدد من أركان حكمه والذين صدرت بحقهم أوامر قبض من قبل الجنائية الدولية عام 2007.

وفي هذا الصدد، يقول الصحفي السوداني عثمان ميرغني -للجزيرة نت- إن الجنائية الدولية ابتدرت التحقيق حول الجرائم التي ارتكبت بمدينة الجنينة في وقت مبكر خلال الأشهر الأولى الحرب، على خلفية التقارير التي صدرت من منظمات دولية تكشف عن مجازر ارتكبت بصورة ممنهجة على يد الدعم السريع ومليشيات متحالفة معها.

وتضمنت الإشارة إليها في تقرير المدعي العام للجنائية الدولية أمام مجلس الأمن.

وأضاف ميرغني أن الجنائية الدولية استمعت لعدد من الشهود من بينهم زعيم قبيلة المساليت والذي نجا من المذابح بحسب تعبير ميرغني.

وأشار ميرغني إلى أن إجراءات المحكمة الدولية يبدو أنها اكتملت بما يمكنها من إعلان قائمة المتهمين والتي تتضمن قائد الدعم السريع ونائبه وقائد الدعم بقطاع الجنينة وآخرين.

وعزا تأخير إعلان قائمة المتهمين لترتيبات تتأثر بالجهود الدولية والإقليمية لإنهاء الحرب في السودان.

وأكد ميرغني أن إجراءات المحكمة الدولية ستؤدي لإضعاف فرص قيادات الدعم السريع في لعب دور سياسي بمستقبل السودان خاصة في ظل التقارير المتكررة من المنظمات ووسائط الإعلام الغربية التي شكلت إدانة مسبقة للدعم السريع.

ورغم خوف كثير من المراقبين من أن تدخل العدالة الدولية ربما يصعب ويعرقل جهود التسوية السلمية، بيد أن هنالك من يرى أن سياسة عدم الإفلات من العقاب هي الضامن الأساسي للسلام بالسودان وكل الإقليم.

الجزيرة نت

تعليقات الفيسبوك





الموقع الرسمي

Related Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *